على قمم جبال عالية يكسوها الجمال الإلهي الخلاق عجزت كثيرا في تخيلها أعيتني القدرة على التعمق في الحديث عنها لأنني لا أملك شيئا كثيرا كي أتحدث عنها ولعلي أستطيع العودة إليها يوما لأنقل صورة كاملة عنها منازلها الشاهقة المبنية بالحجر والمشيدة بالطين والتي تكاد تسكنها الأشباح إذا الظلام يعشش في جنباتها ليلا إضاءات بدائية يستخدمها أصحابها لاتكاد تتعدى بضعة أمتار ، لكن النهار حين يطل بطلعته البهية يمحو كل ملامح القبح ويبدلها بهجة وسرورا وجمالا فيطغى على كل بؤس كسا تلك القمم الجميلة 0
فترات من البؤس تبادل النعيم لكن الناس هناك ما فتئوا في صراع مرير مع اثنين من أعداء الإنسانية للجهل فيهما دور بارز وكبير جدا وهو مضرم هذين القبيحين ومصدر انتشائهما واشتعالهما والناس متفاوتون في مدى تحملهم لهذين العدوين فمنهم من يقاوم في مكانه ومنهم من يرتحل عنه عندما يجد ما هو أفضل وهذا شأن أبي أحمد وأمه فعندما غلب عليهم الفقر أبى أبو أحمد الخضوع له فرحل ليعد العدة لمقاومته وعندما غاب جاء الخصم الثاني ليعتدي على أم أحمد فيعود أبو أحمد بعدها ليأخذ أم أحمد معه ليقاوم هو الفقر ولتقاوم هي المرض وبرفقتهما أحمد ذلك الطفل الغض الذي لم يجاوز الثلاث سنوات إلا قليلا يتلفت يمنة ويسرة يسير معهما مخترقا ذلك البدع الإلهي العظيم وتلك الطبيعة الخلاقة التي منحها الله لبلدتهم المتربعة على قمم جبال رازح غير أن عجز الإنسان أحيانا وخصوصا الذين يتربعون على عروش الحكم من بني البشر ذلك الإنسان الذي قبل بالحكم ولكنه أبى أن يتقبل تبعاته وأبى أن يسعد المحكومين ربما لضعفه أو لنسيانه الأمانة التي تكفل بحملها وعزم على المضي قدما لتحمل تبعاتها ولكنه بعد ذلك رضي بما يعود عليه هو بالنفع ونسي من استخلفه الله عليهم ليقوم بشأنهم ، مسؤولية عظيمة وهم كبير أوكل إليه ظنه يسيرا وعندما تربع على كرسي الحكم نسي كل ذلك {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ }الشعراء113
شاءت الإرادة الإلهية أن ترحل بأحمد إلى عالم آخر يبني فيه مستقبله ويسير إلى المجهول الذي لا يدري مداه ولا يعلم منتهاه إلا مولاه فيقطع بيداء لا يعرفها ويسير مسافات لا يدري ما هي وكأنها لم تمر يوما على ذاكرته الطفولية يواصل سيره فلا يذكر منه شيئا فهو لم يبلغ بعد سن الإدراك لكنه يتبع أباه وأمه
لا يدري
هل ساروا أم ركبوا؟
أين ناموا ؟
كم استغرقت رحلتهم ؟
من أوصلهم ؟
أين استقروا ؟
ما ذا أكلوا ؟
كلها تساؤلات لا يعرف أحمد لها جوابا
يمر به شريط لا ينساه عندما ركب الطائرة لأول مرة ترتسم في ذاكرته صورة هدب تدلى على مقاعد الطائرة التي ركبوها من جازان إلى خميس مشيط
كيف طارت الطائرة ؟
أين هبطت ؟
من كان فيها ؟
كم استغرقت رحلتها ؟
أسئلة تبحث عن إجابات لا يملك أحمد تذكرها
تنقلات تلت تلك الرحلة 000مراحل عمرية مرت كسحابة صيف أيام وليال 000 أسابيع وشهور انقضت سريعا000 عام تلو عام مضى والذاكرة بعد لم تستقر عند أحمد وشريط التسجيل لم يبدأ بعد في الدوران لتدوين ما يدور000 حقبة مجهولة تمر يسمع أحمد عنها فينكرها لا يدري كيف مرت ولا متى انقضت وتشاء القدرة الإلهية أن ترمي بهذه الأسرة الثلاثية إلى قرية نائية بعيدة عن أبها ما يقارب العشرين كيلا وتبدأ قصة حياة هناك وتبدأ شخصية جديدة في التكون في تلك البقعة الجميلة النظيفة الخالية من شوائب النفوس ليجد أحمد نفسه يوما يسير على عشرات المسامير الحديدية التي أدمت قدميه وهي لا تزال غضة صغيرة ولعل تلك بدايات دوران الشريط ليسجل مستقبلا مجهولا 000ما قصة تلك المسامير ؟
وللرحلة بقية