الشاهين
19th March 2004, 03:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي أرسل رسله تترى وأنزل عليهم كتبه تتلى وختمها بالقران العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد البشر أجمعين وآله وصحبه . وبعد :
قال الله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "
وقال تعالى "فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض وتقطعوا ارحامكم "
والآيات في علوةم صلة الرحم كثيرة ومعلومة.
و قال تعالى في الحديث القدسي: «انا الرحمن، و هذه الرحم شققت لها اسما من اسمى، فمن وصلها وصلته و من قطعها قطعته» .
وقال صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم "
وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل. ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة. فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك: نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا. فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريباً جداً بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها. وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فراراً من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هومنسوب إليه بوجه. ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها من وجوه النسب وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والا التحام. فإذا كان ظاهراً واضحاً حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما. قلناه. وإذا كان إنما يستفاذ الخبر البعيد ضغف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الثسغل به مجاناً ومن أعمال اللهو المنهي عنه. ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلامنفعة فيه حينئذ.
قال امير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: " تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا ".
ومن تاريخ ابن خلدون في الجزء الأول من الفصل الرابع الى الفصل التاسع.
الفصل الرابع من أهل الحضر :
وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر قال صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه: فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر صعب عليه طريقه وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليها أيضاً عوائده. وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولاً وعملاً. وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها. فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير. فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر. وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير. فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر. والله يحب المتقين. ولا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنه خرج إلى سكني البادية فقال له: " ارتددت على عقبيك تعربت " فقال: لا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن لي في البدو ". فاعلم أن الهجرة افترضت أول الإسلام على أهل مكة ليكونوا مع النبي حيث حل من المواطن ينصرونه ويظاهرونه على أمره ويحرسونه ولم تكن واجبة على الأعراب أهل البادية لأن أهل مكة يمسهم من عصبية النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهرة والحراسة ما لا يمس غيرهم من بادية الأعراب. وقد كان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة: " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم " ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة وعدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدؤوا بها وهو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه. وقيل أن ذلك كان خاصاً بما قبل الفتح حين كانت الحاجة. داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين وأما بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزوا وتكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة حينئذ لقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح. وقيل سقط إنشاؤها عمن يسلم بعد الفتح. وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح. والكل مجمعون على أنها بعد الوفاة ساقطة لأن الصحابة افترقوا من يومئذ في الأفاق وانتشروا ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة. فقول الحجاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالإ شارة إلى الدعاء المأثور الذي قدمناه وهو قوله: " ولا تردهم على أعقابهم ". وقوله تعربت إشارة إلى أنه صار من الأعراب الذين لا يهاجرون. وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في البدو. ويكون ذلك خاصاً به كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة. ويكون الحجاج إنما نعى عليه ترك السكنى بالمدينة فقط لعلمه كسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأن اغتنامه لإذن النبي أولى وأفضل فما آثره به واختصه إلا لمعنى علمه فيه. وعلى كل تقدير فليس دليلاً على مذمة البدو الذي عبر عنه بالتعرب لأن مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وحراسته لا لمذمة البدو. فليس في النعي عليه ترك هذا الواجب بالتعرب دليل على مذمة التعرب. والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والذعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد فهم غارون آمنون قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقاً يتنزل منزلة الطبيعة. وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم. فهم دائماً يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق وبتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبآت والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقاً والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ. وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئاً من أمر أنفسهم. وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات وموارد المياه ومشارع السبل. وسبب ذلك ما شرحناه. وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقاً وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة. واعتبر ذلك في الأدميين تجده كثيراً صحيحاً. والله يخلق ما يشاء.
الفصل السادس في أن معاناة أهل الحضر للاحكام :
مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم وذلك أنه ليس كل أحد مالك أمر نفسه إذ الرؤساء والأمراء المالكون لأمر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره ولا بد فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعاني منها حكم ولا منع وصد كان من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتى صار لهم الأدلال جبلة. لا يعرفون سواها. أما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبينه وقد نهى عمر سعداً رضي الله عنه عن مثلها لما أخذ زهرة بن جوية سلب الجالنوس وكانت قيمته خمسة وسبعين ألفاً من الذهب وكان اتبع الجالنوس يوم القادسية فقتله وأخذ سلبه فانتزعه منه سعد وقال له: " هلا انتظرت في اتباعه إذني " وكتب إلى عمر يستأذنة فكتب إليه عمر: " تعمد إلى مثل زهرة وقد صلي بما صلي به وبقي عليك مابقي من حربك وتكسر فوقه وتفسد قلبه! وأمضى له عمر سلبه. وأما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس لأن وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من سورة بأسه بلا شك. وأما إذا كانت الأحكام تأديبية وتعليمية وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشيء لمرباه على المخافة والانقياد فلا يكون مدلا ببأسه. ولهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأساً ممن تأخذه الأحكام. ونجد أيضاً الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيراً ولا لمن يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه. وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والآخذ عن المشايخ والآ ئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقاروالهيبة! فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس. ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأساً لآن الشارع صلوات الله عليه لما. أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلا عليهم من الترغيب والترهيب ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وأدابه المتلقاة نقلاً يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الأيمان والتصديق. فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم. قال عمررضي الله عنه: # من لم يؤدبه الشرع لاأدبه الله # حرصاً على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه ويقيناً بأن الشارع أعلم بمصالح العباد. ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالآحكام الوازعة ثم صار الشرع علماً وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الأنقياد إلى الأحكام نقضت بذلك سورة البأس فيهم. فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي. ولهذا كانت هذه الأحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب. ولهذا قال محمد بن أبي زيد في كتابه في أحكام المعلمين والمتعلمين: " إنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحداً من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط نقله عن شريح القاضي واحتج له بعضهم بما وقع في حديث بدء الوحي من شأن الغط وأنه كان ثلاث مرات وهو ضعيف ولا يصلح شأن الغط أن يكون دليلاً على ذلك لبعده عن التعليم المتعارف. والله الحكيم الخبير.
الفصل السابع في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية :
اعلم أن الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير والشر كما قال تعالى: " وهديناه النجدين " وقال: " فألهمها فجورها وتقواها ". والشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذبه الأقتداء بالذين. وعلى ذلك الجم الغفير إلا من وفقه الله. ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض. فمن أمتدت عينه إلى متاع أخيه أمتدت يده ألى أخذه ألا أن يصده وازع كما قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم فأما المدن والأمصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه أحكام والمدلة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة أن يمتد بعضهم على بعض أو يعدوعليه فإنهم مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم إلا إذا كان من الحاكم بنفسه. وأما العدوان من الذي خارج المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ليلاً أو العجز عن المقاومة نهاراً أو يدفعه ذياد الحامية من أوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة. وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم بما وقر في نفوس الكافة لهم من الرقار والتجلة. وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقربائهم موجودة في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظم رهبة العدو لهم واعتبر ذلك فيما حكاه القرآن عن إخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لأبيه: " لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون " والمعنى أنه لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبة له. وأما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحداً منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشاً من التخاذل. فلا وإذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولا بد في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفاً فاتخذه إماماً تقتدي به فيما نورده عليك بعد. والله الموفق للصواب.
الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه :
وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل. ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة. فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك: نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا. فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريباً جداً بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها. وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فراراً من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هومنسوب إليه بوجه. ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها من وجوه النسب وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والا التحام. فإذا كان ظاهراً واضحاً حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما. قلناه. وإذا كان إنما يستفاذ الخبر البعيد ضغف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الثسغل به مجاناً ومن أعمال اللهو المنهي عنه. ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلامنفعة فيه حينئذ. والله سبحانه وتعالى.
الفصل التاسع في القفر من العرب ومن في معناهم :
لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة وهي لما كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره ونتاجها في رماله كما تقدم والقفر مكان الشظف والسغب فصار لهم إلفاً وعادة وربيت فيه أجيائهم حتى تمكنت خلقاً وجبلة فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال. بل لو وجد واحد منهم السبيل إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة. واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع وبعدوا من أرياف الشام والعراق ومعادن الأدم والحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها إختلاط ولا عرف فيهم شوب. وأما العرب الذين كانوا بالتلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسان و طيء وقضاغة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم. ففي ك! واحد من بيوتهم من الخلاف عند الناس وماتعرف. وإنما جاءهم ذلك من قبل العجم ومخالطتهم. وهم لا يعتبرون المحافظة على النسب في بيوتهم وشعوبهم وإنما هذا للعرب فقط. قال عمر رضي الله تعالى عنه: " تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا ". هذا إلى ما لحق هؤلاء العرب أهل الأرياف. من الازدحام مع الناس على البلد الطيب والمراعي الخصيبة فكثر الاختلاط وتداخلت الأنساب. وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق جند العواصم وانتقل ذلك إلى الأندلس ولم يكن لاطراح العرب أمر النسب وإنما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتى عرفوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميزون بها عند أمرائهم. ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية فأطرحت. ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان. والله وارث الأرض ومن عليها. انتهى قول ابن خلدون في تاريخه عن النسب.
منقول بتصرف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي أرسل رسله تترى وأنزل عليهم كتبه تتلى وختمها بالقران العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد البشر أجمعين وآله وصحبه . وبعد :
قال الله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "
وقال تعالى "فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض وتقطعوا ارحامكم "
والآيات في علوةم صلة الرحم كثيرة ومعلومة.
و قال تعالى في الحديث القدسي: «انا الرحمن، و هذه الرحم شققت لها اسما من اسمى، فمن وصلها وصلته و من قطعها قطعته» .
وقال صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم "
وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل. ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة. فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك: نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا. فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريباً جداً بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها. وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فراراً من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هومنسوب إليه بوجه. ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها من وجوه النسب وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والا التحام. فإذا كان ظاهراً واضحاً حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما. قلناه. وإذا كان إنما يستفاذ الخبر البعيد ضغف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الثسغل به مجاناً ومن أعمال اللهو المنهي عنه. ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلامنفعة فيه حينئذ.
قال امير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: " تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا ".
ومن تاريخ ابن خلدون في الجزء الأول من الفصل الرابع الى الفصل التاسع.
الفصل الرابع من أهل الحضر :
وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير أو شر قال صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". وبقدر ما سبق إليها من أحد الخلقين تبعد عن الآخر ويصعب عليها اكتسابه: فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت لها ملكته بعد عن الشر صعب عليه طريقه وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليها أيضاً عوائده. وأهل الحضر لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت أنفسهم بكثير من مذمومات الخلق والشر وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك. حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في أحوالهم فتجد الكثير منهم يقذعون في أقوال الفحشاء في مجالسهم وبين كبرائهم وأهل محارمهم لا يصدهم عنه وازع الحشمة لما أخذتهم به عوائد السوء في التظاهر بالفواحش قولاً وعملاً. وأهل البدو وإن كانوا مقبلين على الدنيا مثلهم إلا أنه في المقدار الضروري لا في الترف ولا في شيء من أسباب الشهوات واللذات ودواعيها. فعوائدهم في معاملاتهم على نسبتها وما يحصل فيهم من مذاهب السوء ومذمومات الخلق بالنسبة إلى أهل الحضر أقل بكثير. فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات بكثرة العوائد المذمومة وقبحها فيسهل علاجهم عن علاج الحضر وهو ظاهر. وقد يتوضح فيما بعد أن الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير. فقد تبين أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر. والله يحب المتقين. ولا يعترض على ذلك بما ورد في صحيح البخاري من قول الحجاج لسلمة بن الأكوع وقد بلغه أنه خرج إلى سكني البادية فقال له: " ارتددت على عقبيك تعربت " فقال: لا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن لي في البدو ". فاعلم أن الهجرة افترضت أول الإسلام على أهل مكة ليكونوا مع النبي حيث حل من المواطن ينصرونه ويظاهرونه على أمره ويحرسونه ولم تكن واجبة على الأعراب أهل البادية لأن أهل مكة يمسهم من عصبية النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهرة والحراسة ما لا يمس غيرهم من بادية الأعراب. وقد كان المهاجرون يستعيذون بالله من التعرب وهو سكنى البادية حيث لا تجب الهجرة. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة: " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم " ومعناه أن يوفقهم لملازمة المدينة وعدم التحول عنها فلا يرجعوا عن هجرتهم التي ابتدؤوا بها وهو من باب الرجوع على العقب في السعي إلى وجه من الوجوه. وقيل أن ذلك كان خاصاً بما قبل الفتح حين كانت الحاجة. داعية إلى الهجرة لقلة المسلمين وأما بعد الفتح وحين كثر المسلمون واعتزوا وتكفل الله لنبيه بالعصمة من الناس فإن الهجرة ساقطة حينئذ لقوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح. وقيل سقط إنشاؤها عمن يسلم بعد الفتح. وقيل سقط وجوبها عمن أسلم وهاجر قبل الفتح. والكل مجمعون على أنها بعد الوفاة ساقطة لأن الصحابة افترقوا من يومئذ في الأفاق وانتشروا ولم يبق إلا فضل السكنى بالمدينة وهو هجرة. فقول الحجاج لسلمة حين سكن البادية ارتددت على عقبيك تعربت نعى عليه في ترك السكنى بالمدينة بالإ شارة إلى الدعاء المأثور الذي قدمناه وهو قوله: " ولا تردهم على أعقابهم ". وقوله تعربت إشارة إلى أنه صار من الأعراب الذين لا يهاجرون. وأجاب سلمة بإنكار ما ألزمه من الأمرين وأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن له في البدو. ويكون ذلك خاصاً به كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة. ويكون الحجاج إنما نعى عليه ترك السكنى بالمدينة فقط لعلمه كسقوط الهجرة بعد الوفاة وأجابه سلمة بأن اغتنامه لإذن النبي أولى وأفضل فما آثره به واختصه إلا لمعنى علمه فيه. وعلى كل تقدير فليس دليلاً على مذمة البدو الذي عبر عنه بالتعرب لأن مشروعية الهجرة إنما كانت كما علمت لمظاهرة النبي صلى الله عليه وسلم وحراسته لا لمذمة البدو. فليس في النعي عليه ترك هذا الواجب بالتعرب دليل على مذمة التعرب. والله سبحانه أعلم وبه التوفيق. في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والذعة وانغمسوا في النعيم والترف ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم واستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم والحرز الذي يحول دونهم فلا تهيجهم هيعة ولا ينفر لهم صيد فهم غارون آمنون قد ألقوا السلاح وتوالت على ذلك منهم الأجيال وتنزلوا منزلة النساء والولدان الذين هم عيال على أبي مثواهم حتى صار ذلك خلقاً يتنزل منزلة الطبيعة. وأهل البدو لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية وانتباذهم عن الأسوار والأبواب قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها إلى سواهم ولا يثقون فيها بغيرهم. فهم دائماً يحملون السلاح ويتلفتون عن كل جانب في الطرق وبتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس وعلى الرحال وفوق الأقتاب ويتوجسون للنبآت والهيعات ويتفردون في القفر والبيداء مدلين ببأسهم واثقين بأنفسهم قد صار لهم البأس خلقاً والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع أو استنفرهم صارخ. وأهل الحضر مهما خالطوهم في البادية أو صاحبوهم في السفر عيال عليهم لا يملكون معهم شيئاً من أمر أنفسهم. وذلك مشاهد بالعيان حتى في معرفة النواحي والجهات وموارد المياه ومشارع السبل. وسبب ذلك ما شرحناه. وأصله أن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقاً وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة. واعتبر ذلك في الأدميين تجده كثيراً صحيحاً. والله يخلق ما يشاء.
الفصل السادس في أن معاناة أهل الحضر للاحكام :
مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم وذلك أنه ليس كل أحد مالك أمر نفسه إذ الرؤساء والأمراء المالكون لأمر الناس قليل بالنسبة إلى غيرهم فمن الغالب أن يكون الإنسان في ملكة غيره ولا بد فإن كانت الملكة رفيقة وعادلة لا يعاني منها حكم ولا منع وصد كان من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع حتى صار لهم الأدلال جبلة. لا يعرفون سواها. أما إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التكاسل في النفوس المضطهدة كما نبينه وقد نهى عمر سعداً رضي الله عنه عن مثلها لما أخذ زهرة بن جوية سلب الجالنوس وكانت قيمته خمسة وسبعين ألفاً من الذهب وكان اتبع الجالنوس يوم القادسية فقتله وأخذ سلبه فانتزعه منه سعد وقال له: " هلا انتظرت في اتباعه إذني " وكتب إلى عمر يستأذنة فكتب إليه عمر: " تعمد إلى مثل زهرة وقد صلي بما صلي به وبقي عليك مابقي من حربك وتكسر فوقه وتفسد قلبه! وأمضى له عمر سلبه. وأما إذا كانت الأحكام بالعقاب فمذهبة للبأس لأن وقوع العقاب به ولم يدافع عن نفسه يكسبه المذلة التي تكسر من سورة بأسه بلا شك. وأما إذا كانت الأحكام تأديبية وتعليمية وأخذت من عهد الصبا أثرت في ذلك بعض الشيء لمرباه على المخافة والانقياد فلا يكون مدلا ببأسه. ولهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأساً ممن تأخذه الأحكام. ونجد أيضاً الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيراً ولا لمن يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه. وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والآخذ عن المشايخ والآ ئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقاروالهيبة! فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس. ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم بل كانوا أشد الناس بأساً لآن الشارع صلوات الله عليه لما. أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلا عليهم من الترغيب والترهيب ولم يكن بتعليم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وأدابه المتلقاة نقلاً يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الأيمان والتصديق. فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم. قال عمررضي الله عنه: # من لم يؤدبه الشرع لاأدبه الله # حرصاً على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه ويقيناً بأن الشارع أعلم بمصالح العباد. ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالآحكام الوازعة ثم صار الشرع علماً وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الأنقياد إلى الأحكام نقضت بذلك سورة البأس فيهم. فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مفسدة للبأس لأن الوازع فيها أجنبي وأما الشرعية فغير مفسدة لأن الوازع فيها ذاتي. ولهذا كانت هذه الأحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب. ولهذا قال محمد بن أبي زيد في كتابه في أحكام المعلمين والمتعلمين: " إنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحداً من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط نقله عن شريح القاضي واحتج له بعضهم بما وقع في حديث بدء الوحي من شأن الغط وأنه كان ثلاث مرات وهو ضعيف ولا يصلح شأن الغط أن يكون دليلاً على ذلك لبعده عن التعليم المتعارف. والله الحكيم الخبير.
الفصل السابع في أن سكنى البدو لا يكون إلا للقبائل أهل العصبية :
اعلم أن الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير والشر كما قال تعالى: " وهديناه النجدين " وقال: " فألهمها فجورها وتقواها ". والشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذبه الأقتداء بالذين. وعلى ذلك الجم الغفير إلا من وفقه الله. ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض. فمن أمتدت عينه إلى متاع أخيه أمتدت يده ألى أخذه ألا أن يصده وازع كما قال: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم فأما المدن والأمصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه أحكام والمدلة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة أن يمتد بعضهم على بعض أو يعدوعليه فإنهم مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم إلا إذا كان من الحاكم بنفسه. وأما العدوان من الذي خارج المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ليلاً أو العجز عن المقاومة نهاراً أو يدفعه ذياد الحامية من أوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة. وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم بما وقر في نفوس الكافة لهم من الرقار والتجلة. وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقربائهم موجودة في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظم رهبة العدو لهم واعتبر ذلك فيما حكاه القرآن عن إخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لأبيه: " لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذاً لخاسرون " والمعنى أنه لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبة له. وأما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحداً منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشاً من التخاذل. فلا وإذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبوة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولا بد في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفاً فاتخذه إماماً تقتدي به فيما نورده عليك بعد. والله الموفق للصواب.
الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه :
وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل. ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة. فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك: نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا. فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريباً جداً بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها. وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهرة فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فراراً من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هومنسوب إليه بوجه. ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها من وجوه النسب وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريباً منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم " بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والا التحام. فإذا كان ظاهراً واضحاً حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما. قلناه. وإذا كان إنما يستفاذ الخبر البعيد ضغف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الثسغل به مجاناً ومن أعمال اللهو المنهي عنه. ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلامنفعة فيه حينئذ. والله سبحانه وتعالى.
الفصل التاسع في القفر من العرب ومن في معناهم :
لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة وهي لما كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره ونتاجها في رماله كما تقدم والقفر مكان الشظف والسغب فصار لهم إلفاً وعادة وربيت فيه أجيائهم حتى تمكنت خلقاً وجبلة فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال. بل لو وجد واحد منهم السبيل إلى الفرار من حاله وأمكنه ذلك لما تركه فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط أنسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة. واعتبر ذلك في مضر من قريش وكنانة وثقيف وبني أسد وهذيل ومن جاورهم من خزاعة لما كانوا أهل شظف ومواطن غير ذات زرع ولا ضرع وبعدوا من أرياف الشام والعراق ومعادن الأدم والحبوب كيف كانت أنسابهم صريحة محفوظة لم يدخلها إختلاط ولا عرف فيهم شوب. وأما العرب الذين كانوا بالتلول وفي معادن الخصب للمراعي والعيش من حمير وكهلان مثل لخم وجذام وغسان و طيء وقضاغة وإياد فاختلطت أنسابهم وتداخلت شعوبهم. ففي ك! واحد من بيوتهم من الخلاف عند الناس وماتعرف. وإنما جاءهم ذلك من قبل العجم ومخالطتهم. وهم لا يعتبرون المحافظة على النسب في بيوتهم وشعوبهم وإنما هذا للعرب فقط. قال عمر رضي الله تعالى عنه: " تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد إذا سئل أحدهم عن أصله قال من قرية كذا ". هذا إلى ما لحق هؤلاء العرب أهل الأرياف. من الازدحام مع الناس على البلد الطيب والمراعي الخصيبة فكثر الاختلاط وتداخلت الأنساب. وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى المواطن فيقال جند قنسرين جند دمشق جند العواصم وانتقل ذلك إلى الأندلس ولم يكن لاطراح العرب أمر النسب وإنما كان لاختصاصهم بالمواطن بعد الفتح حتى عرفوا بها وصارت لهم علامة زائدة على النسب يتميزون بها عند أمرائهم. ثم وقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية فأطرحت. ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية بدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان. والله وارث الأرض ومن عليها. انتهى قول ابن خلدون في تاريخه عن النسب.
منقول بتصرف