عيسى بن حسن السعدي
13th January 2004, 02:19 PM
(( الحلقة الأولى من رحلة في ربوع عسير : دوافع وبواعث ))
منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا لا أزال يافعاً بعد : كان أول ما قرع سمعي عن بلاد عسير . حوادث انتقاضها على حكومة الترك , واتفاق حكومة آل عائض أعيان عسير مع السيد محمد الأدريسي الوالي على جازان وضواحيها ومحاصرتهم جميعا للوالي التركي سليمان شفيق كمالي المقيم في أبها حوالي تسعة أشهر وصدور الأوامر السلطانية من أستا نبول إلى أمير مكة إذ ذاك الشريف الحسين بن علي بالتجهيز والسير لشد أزر المحاصرين ومعاونتهم في فك الحصار عن أبها وقمع الفتنة وقد كان يعرض في تلافيف الأخبار وحواشيها عن هذه الحوادث كثير من الأقوال الخلابة عن خصوبة تلك الجهات وجمال منظرها الطبيعي وما عليه أهلها من سذاجة الفطرة ومحاسن الخلق مما ملأ حافظتي بأجمل الصور عنها وعلقت نفسي بمشاهدتها والسياحة فيها ولكن مع الأسف فقد عقب ذلك أن انفجرت براكين الشر في العالم الإنساني ودخلت الحكومة التركية العثمانية في حرب مع دول البلقان وتلاها نشوب الحرب العالمية الأولى وابتلى الناس من أثرها بشتى المصائب والمحن ودار دولاب الزمان بالكثير من المقالب فانهارت دول ونشأت حكومات وكان من مقتضى هذه الأحداث ان اضطراب حبل الأمن وتوالت الفتن والقلاقل في الحجاز وبلاد عسير فخمد مافي النفس وتغيرت معه أوضاع حياتي الخاصة بما ألهاني عن هذه الرغبة وصرفني عنها .
ولما أن استتب الأمر للحكومة السعودية وعم الأمن والاستقرار كل ما شمله نفوذها من الأقاليم عاد ارتياد أهل الحجاز لجهات عسير وتحدثهم عنها مما كان يحرك ما خمد من شوق يدفعني إلى زيارتها والسياحة فيها ففي فجر سنة 1348 هجري أثر رحلة إلى أرض الهند وشبه جزيرة الملايا قضيت فيها حوالي سبعة اشهر عدة بعدها إلى مكة رغب إلىّ بعض من أعرف من الصحاب أن أرافقه في سفره إلى بعض جبال الحجاز الأدنى للطائف وسرعان ما وافقته وأبرمنا الأمر وابتدأنا الرحلة من الطائف إلى منازل بني سعد فوادي ميسان من منازل قبيلة ناصرة آملا أن يستمر بنا السير في جبال السراة وأن أستطيع استدراج صاحبي إلى أن نصل إلى جبال عسير ومنه ننحدر إلى تهامة ثم نعود إلى مكة عن طريق الساحل غير أن هذا الأمل لم يقترن بالتوفيق فرأيت الاكتفاء برغبة رفيقي وقضينا في التجوال نحو شهر ثم عدنا أدراجنا إلى الطائف .
بعد ذلك طوحت بي دواع خاصة إلى التردد على أستا نبول تهيأ لي به التجوال في ممالك الشرق الأدنى مصر وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق والأناضول وفي عام 1359 هجري على أثر عودتي من مصر إلى مكة عن طريق فلسطين فشرق الأردن فالعراق فالكويت فنجد بسبب إعلان إيطاليا الحرب ضد الإنجليز وتعكر صفاء الموصلات في البحر الأحمر في جلسة من الجلسات التي كنا نقضي بها فراغ الوقت مع الأخ الصديق محمد شطا المفتش الأول بمديرية المعارف العامة جرى ذكر اعتزام المديرية المشار إليها إنشاء أربع مدارس في مقاطعة عسير غير مدرسة أبها وصدور الأوامر العليا بالإسراع في تنفيذ ما اعتزمت المديرية فتحرك منى ما سكن من الشوق الى زيارة عسير وسبق لساني بذكر مافي النفس من الرغبة في مشاهدة تلك الجهات فما كان من الصديق رعاه الله وأبقاه ـ ألا أن أشار على بأن أطلب الخدمة في إحدى المدارس المذكورة مردفا ذلك ببيان فياض وزخرف من المحسنات والمرجحات فقد سبق أن زار تلك الجهة في جولة تفتيشية على مدرسة أبها وجيزان انصرفت من ذلك المجلس ونار الشوق في نفسي تلتهب والفكرة تعتلج في مخيلتي جزرا فالطرق في عسير عسيرة والحياة فيها حياة انزواء وانقطاع لا نحر أفها عن خط الحضارة في العالم وقد تخطيت الشباب وطعنت في الكهولة فلم يعد في الطوق احتمال المشاق والمتاعب ولم تسبق لي ممارسة مهنة التعليم ولا أملك أية وثيقة تدل على مؤهلاتي بل لم أدرس أي علم دراسة منهجية وكل مالدي من بضاعة لم يكن إلا تلقيا من مجالسة أهل العلم والمعرفة ودراسة شخصية فيما تصل إليه يدي من كتاب بالاطلاع والتبصر ومثل هذا لا يؤهلني لأن أفحم نفسي بين رجال التعليم ولاأن أجرؤ فأطلب ذلك رسميا من مديرية المعارف لكن داء الشوق إلى مشاهدة تلك الربوع قديم مزمن ومغريات صديقي ودعايته كانت ساحرة فاتنة والحرب القائمة متوقع طولها واستمرارها إلى أمد غير قصير وحياة مثلي في أثنائها بمكة حياة ركود لافرق بين أمسها وغدها ولا تخرج عن (( أكل وشرب ونوم . وأكل وشرب ونوم )) فالسبل إلى خارج البلاد تكاد تكون مقطوعة والتقلب للكسب والاتجار أمسى عزيزاً على من كان في مثل حالي رقة ولحظ الصديق العزيز ذلك مني وآنس تهبي الإقدام على طلب ما أشاربه وبدون سابق إنذار قدم الطلب وهو المفتش الأول للمعارف والعضو العامل في هيئة إدارتها والمديرية متطلعة إلى من يسد الفراغ لإنهاء تشكيل هذه المدارس وابرازها لحيز العمل والوجود فقد طال الإعلان عنها ولم يتقدم أحد بالطلب لأن الحياة في تلك الجهات خشنة قل من يقدم على احتمالها من أرباب المؤهلات ومن لا يعدمون عملا في العواصم والحواضر الزاخرة بمطالب الحياة على اختلاف أنواعها فحصول الموافقة على قبول طلبي والحال ما ذكرت سيكون أيسر من عرش بلقيس على من عنده علم من الكتاب تقدمت مديرية المعارف بموافقتها على تعييني إلى المقامات العالية حسب ( الروتين ) الحكومي المتبع فأقرته وأصبحت في أمر واقع تهيأت لي معه أمنية لم تكن لتتهيأ لولا سعي هذا الفاضل ويده وعونه .
وما هذا بأول إحسان نالني منه فله عندي من سوابق المعروف والبر ما لا عيب فيه سوى توكيد عجزي عن استطاعة مكافأته عليه .
وواحسرتاه كأن الأقدار لم تشأ أن تمنحني هذه الأمنية في هناءة وصفاء فأي متعة ستكون في هذه الرحلة بعد تخطي زمن الشباب وضعف القوة والاحتمال في بلاد لا وسائل للتنقل فيها إلا البعير والحمار .
وكيف تصفو النفس للاستمتاع وهي ملتاعة لمفارقة هذا الأخ الكريم والصديق الحميم ورحم الله أبا العلاء المعري إذ يقول .
كلفنا بالعراق ونحن شرخ *** فلم نلمم به إلا كهولا
وشارفنا فراق أبي على *** فكان أعز داهية نزولا
وإلى الحلقة القادمة أن شاء الله
وتحياتي جم
منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا لا أزال يافعاً بعد : كان أول ما قرع سمعي عن بلاد عسير . حوادث انتقاضها على حكومة الترك , واتفاق حكومة آل عائض أعيان عسير مع السيد محمد الأدريسي الوالي على جازان وضواحيها ومحاصرتهم جميعا للوالي التركي سليمان شفيق كمالي المقيم في أبها حوالي تسعة أشهر وصدور الأوامر السلطانية من أستا نبول إلى أمير مكة إذ ذاك الشريف الحسين بن علي بالتجهيز والسير لشد أزر المحاصرين ومعاونتهم في فك الحصار عن أبها وقمع الفتنة وقد كان يعرض في تلافيف الأخبار وحواشيها عن هذه الحوادث كثير من الأقوال الخلابة عن خصوبة تلك الجهات وجمال منظرها الطبيعي وما عليه أهلها من سذاجة الفطرة ومحاسن الخلق مما ملأ حافظتي بأجمل الصور عنها وعلقت نفسي بمشاهدتها والسياحة فيها ولكن مع الأسف فقد عقب ذلك أن انفجرت براكين الشر في العالم الإنساني ودخلت الحكومة التركية العثمانية في حرب مع دول البلقان وتلاها نشوب الحرب العالمية الأولى وابتلى الناس من أثرها بشتى المصائب والمحن ودار دولاب الزمان بالكثير من المقالب فانهارت دول ونشأت حكومات وكان من مقتضى هذه الأحداث ان اضطراب حبل الأمن وتوالت الفتن والقلاقل في الحجاز وبلاد عسير فخمد مافي النفس وتغيرت معه أوضاع حياتي الخاصة بما ألهاني عن هذه الرغبة وصرفني عنها .
ولما أن استتب الأمر للحكومة السعودية وعم الأمن والاستقرار كل ما شمله نفوذها من الأقاليم عاد ارتياد أهل الحجاز لجهات عسير وتحدثهم عنها مما كان يحرك ما خمد من شوق يدفعني إلى زيارتها والسياحة فيها ففي فجر سنة 1348 هجري أثر رحلة إلى أرض الهند وشبه جزيرة الملايا قضيت فيها حوالي سبعة اشهر عدة بعدها إلى مكة رغب إلىّ بعض من أعرف من الصحاب أن أرافقه في سفره إلى بعض جبال الحجاز الأدنى للطائف وسرعان ما وافقته وأبرمنا الأمر وابتدأنا الرحلة من الطائف إلى منازل بني سعد فوادي ميسان من منازل قبيلة ناصرة آملا أن يستمر بنا السير في جبال السراة وأن أستطيع استدراج صاحبي إلى أن نصل إلى جبال عسير ومنه ننحدر إلى تهامة ثم نعود إلى مكة عن طريق الساحل غير أن هذا الأمل لم يقترن بالتوفيق فرأيت الاكتفاء برغبة رفيقي وقضينا في التجوال نحو شهر ثم عدنا أدراجنا إلى الطائف .
بعد ذلك طوحت بي دواع خاصة إلى التردد على أستا نبول تهيأ لي به التجوال في ممالك الشرق الأدنى مصر وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق والأناضول وفي عام 1359 هجري على أثر عودتي من مصر إلى مكة عن طريق فلسطين فشرق الأردن فالعراق فالكويت فنجد بسبب إعلان إيطاليا الحرب ضد الإنجليز وتعكر صفاء الموصلات في البحر الأحمر في جلسة من الجلسات التي كنا نقضي بها فراغ الوقت مع الأخ الصديق محمد شطا المفتش الأول بمديرية المعارف العامة جرى ذكر اعتزام المديرية المشار إليها إنشاء أربع مدارس في مقاطعة عسير غير مدرسة أبها وصدور الأوامر العليا بالإسراع في تنفيذ ما اعتزمت المديرية فتحرك منى ما سكن من الشوق الى زيارة عسير وسبق لساني بذكر مافي النفس من الرغبة في مشاهدة تلك الجهات فما كان من الصديق رعاه الله وأبقاه ـ ألا أن أشار على بأن أطلب الخدمة في إحدى المدارس المذكورة مردفا ذلك ببيان فياض وزخرف من المحسنات والمرجحات فقد سبق أن زار تلك الجهة في جولة تفتيشية على مدرسة أبها وجيزان انصرفت من ذلك المجلس ونار الشوق في نفسي تلتهب والفكرة تعتلج في مخيلتي جزرا فالطرق في عسير عسيرة والحياة فيها حياة انزواء وانقطاع لا نحر أفها عن خط الحضارة في العالم وقد تخطيت الشباب وطعنت في الكهولة فلم يعد في الطوق احتمال المشاق والمتاعب ولم تسبق لي ممارسة مهنة التعليم ولا أملك أية وثيقة تدل على مؤهلاتي بل لم أدرس أي علم دراسة منهجية وكل مالدي من بضاعة لم يكن إلا تلقيا من مجالسة أهل العلم والمعرفة ودراسة شخصية فيما تصل إليه يدي من كتاب بالاطلاع والتبصر ومثل هذا لا يؤهلني لأن أفحم نفسي بين رجال التعليم ولاأن أجرؤ فأطلب ذلك رسميا من مديرية المعارف لكن داء الشوق إلى مشاهدة تلك الربوع قديم مزمن ومغريات صديقي ودعايته كانت ساحرة فاتنة والحرب القائمة متوقع طولها واستمرارها إلى أمد غير قصير وحياة مثلي في أثنائها بمكة حياة ركود لافرق بين أمسها وغدها ولا تخرج عن (( أكل وشرب ونوم . وأكل وشرب ونوم )) فالسبل إلى خارج البلاد تكاد تكون مقطوعة والتقلب للكسب والاتجار أمسى عزيزاً على من كان في مثل حالي رقة ولحظ الصديق العزيز ذلك مني وآنس تهبي الإقدام على طلب ما أشاربه وبدون سابق إنذار قدم الطلب وهو المفتش الأول للمعارف والعضو العامل في هيئة إدارتها والمديرية متطلعة إلى من يسد الفراغ لإنهاء تشكيل هذه المدارس وابرازها لحيز العمل والوجود فقد طال الإعلان عنها ولم يتقدم أحد بالطلب لأن الحياة في تلك الجهات خشنة قل من يقدم على احتمالها من أرباب المؤهلات ومن لا يعدمون عملا في العواصم والحواضر الزاخرة بمطالب الحياة على اختلاف أنواعها فحصول الموافقة على قبول طلبي والحال ما ذكرت سيكون أيسر من عرش بلقيس على من عنده علم من الكتاب تقدمت مديرية المعارف بموافقتها على تعييني إلى المقامات العالية حسب ( الروتين ) الحكومي المتبع فأقرته وأصبحت في أمر واقع تهيأت لي معه أمنية لم تكن لتتهيأ لولا سعي هذا الفاضل ويده وعونه .
وما هذا بأول إحسان نالني منه فله عندي من سوابق المعروف والبر ما لا عيب فيه سوى توكيد عجزي عن استطاعة مكافأته عليه .
وواحسرتاه كأن الأقدار لم تشأ أن تمنحني هذه الأمنية في هناءة وصفاء فأي متعة ستكون في هذه الرحلة بعد تخطي زمن الشباب وضعف القوة والاحتمال في بلاد لا وسائل للتنقل فيها إلا البعير والحمار .
وكيف تصفو النفس للاستمتاع وهي ملتاعة لمفارقة هذا الأخ الكريم والصديق الحميم ورحم الله أبا العلاء المعري إذ يقول .
كلفنا بالعراق ونحن شرخ *** فلم نلمم به إلا كهولا
وشارفنا فراق أبي على *** فكان أعز داهية نزولا
وإلى الحلقة القادمة أن شاء الله
وتحياتي جم