مصداقية الحرف
21st June 2006, 06:47 PM
السلام عليكم
ظاهرة اجتماعية مؤرقة وكبيرة، وقضية تربوية مهمة وخطيرة؛ هي برسم الخطط والمناهج وإعداد الدراسات والبرامج لتأصيلها والعناية بها حفية وجديرة، تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كل عام، حينما تشتد حرارة الصيف، ويلقي بسمومه اللافحة على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل كثيراً من الناس على الهروب إلى المصائف والمنتزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشد الأحزمة للتنقل والرحلات.
يوافق ذلك فرغ من الشواغل، وتمتع بإجازة صيفية يقضيها الأبناء بعد عناء عام دراسي كامل، وحيث قد أعد كثير من الناس برامج لشغل إجازاتهم، وقضاء وقت فراغهم، وكثير منهم قد حزم حقائب السفر أو سافر فعلاً.
يترجم ذلك الكم الهائل المتهافت على مكاتب الحجوزات والمطارات للسفر عبر الأجواء والمحيطات، في مراكب تمخر عباب الجو والبحر والفيافي لشتى القارات، وقد أعد هؤلاء وأولئك أمتعة الترحال إلى هنالك وهناك.
لذا أستوقفكم - لنضع هذا القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع إلماحة يسيرة إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية، لهذه القضايا الواقعية، وذلك عن طريق هذه المحاور الموجزة المهمة.......
المحور الأول: مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ فهي سر وجوده، ووسام عزه، وتاج شرفه، وإكسير سعادته، تلكم هي عبوديته لربه عز وجل وتسخيره، كلما أفاء الله عليه بالقيام بها وعدم الغفلة عنها طرفة عين، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].
وإن أمارة المسلم الحق: بقاؤه ثابتاً على مبادئه وفياً لدينه وعقيدته، معتزاً بأصالته وشخصيته، فخوراً بمبادئه وثوابته، لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين تحقيق عبوديته لربه مكان دون آخر، فمحياه كله لله، وأعماله جميعها لمولاه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
فحيثما ما كان وحل، وأينما وجد وارتحل، فإنه يضع العبودية لله شعاره، وطاعته لربه دثاره، هذا هو منهج المسلم الصادق في إسلامه، القوي في إيمانه، الإيجابي في انتمائه.
ومن أسوأ ما أصيبت به الأمة في أعقاب الزمن: انتشار الانتماء السلبي وغلبة الفكر الهامشي الذي طغى على كثير من جوانب الحياة؛ مما أفرز أجيالاً تسيء فهم الإسلام على حقيقته، وتجعل للوثات الفكر المنحرف ومظاهر السلوك المحرم رواجاً في تكوين شخصيتها بانهزامية ظاهرة، وتبعية ممقوتة، وانسياق محموم، ولهث مذموم، خلف سراب موضات التشبه والتقليد، وبهارج العلمنة والتغريب المنتشرة في بعض صفوف المسلمين مع شديد الأسف، حتى ضاعت عندهم الهوية الدينية، وفقدت معالم الشخصية الإسلامية.
مما يتطلب إذكاء روح العزة الإيمانية في نفوس أبناء الأمة المحمدية: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].
المحور الثاني : الوقت: فهو مادة الحياة، والزمن: فهو وعاء العمر، فالواجب استثماره في مرضاة الله، وشغله بطاعته سبحانه؛ فإن الإنسان مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر عليه الصلاة والسلام، خرجه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة رضي الله عنه.
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: السَّنَةُ شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها.
ألا فليعلم ذلك من أهدروا أوقاتهم، وبددوا أعمارهم في غير مرضاة مولاهم.......
المحور الثالث: الفراغ: فهو نعمة من نعم الله، يجب شغله بكل وسيلة شرعية؛ وذلك بالقيام بالعبادة بمفهومها الواسع، أو على أقل تقدير بالأمور المباحة شرعاً دون ما هو محرم، ففيما أحل الله غنية عما حرم.
وقد أرشد المولى جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ } خرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ويقول صلى الله عليه وسلم: {اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها- وفراغك قبل شغلك } خرجه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وكم كان الفراغ سبباً في الانحراف بكل ضروبه، والفساد بشتى صوره، عند عدم استثماره فهو منّة ونعماء، لكن إذا استغل في معصية الله فهو نقمة وبلاء.......
المحور الرابع: الترفيه البريء والترويح المباح: لا غضاضة على الإنسان فيه؛ بل قد يكون مطلوباً أحياناً لأغراض شرعية، كما في حديث حنظلة : {ولكن ساعةً وساعة }.
يجب أن يكون لك ترفيه وترويح في حدود ما هو مباح شرعاً، فالإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً.
أما أن يستغل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهز العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل والمبادئ فلا. وكلا!!
وإن رغمت أنوف من أناس فقل يا رب لا ترغم سواها
المحور الخامس: مع السفر والمسافرين: فالسفر في هذا الدين لا بأس فيه؛ بل قد يكون مطلوباً لمقاصد شرعية، يقول الثعالبي رحمه الله: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، ويدعوه إلى شكر نعمه.
تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري
فالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثار
وقد قيل:
لا يصلح النفوس إذا كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال
فالماء الدائم يأسن،
والشمس لو بقيت في الأفق واقفة لملها الناس من عجم ومن عرب.
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب
السفر في الإسلام له حدود مرعية، وضوابط شرعية، منها: أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة، وبؤر مشبوهة فلا، ما لم يكن ثمة ضرورة مع القدرة على إظهار شعائر الإٍِسلام، وهل يلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية، أخرج الترمذي وأبو داود بسند صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {أنا بريء من رجل يبيت بين ظهراني المشركين } وقد استثنى أهل العلم من ذلك الداعية إلى الله، والمضطر لعلاجٍ أو نحوه.
المحور السابع مع الشباب من الأبناء والبنات.
أهدي الشباب تحية الإكبار هم كنزنا الغالي وسر فخاري
هل كان أصحاب النبي محمد إلا شباباً شامخ الأفكار
الشباب عماد الأمة، وقلوبها النابضة، وشرايينها المتدفقة، وعقولها المتلألئة، هم جيل اليوم، ورجال المستقبل، وبناة الحضارة، وصناع الأمجاد، وثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، فلا بد من تربيتهم تربية صحيحة شاملة، وشغل أوقاتهم بطريقة متوازنة، فهذه الأشهر التي يمرون بها في فراغ من المشاغل الدراسية النظامية لا بد أن يستثمرها أولياء أمورهم في برامج حافلة، تكسبهم المهارات، وتنمي فيهم القدرات، تقوي إيمانهم، وتثقل فكرهم، وتثري ثقافاتهم.
فأين الآباء والمربون عن إعداد البرامج الشرعية المباحة؟! وهي كثيرة بحمد الله، كحفظ كتاب الله عز وجل واستظهار شيء من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعلم العلم النافع، وكثرة القراءة في كتب أعلام الإسلام قديماً وحديثاً، والاطلاع على السير والتأريخ والآداب ونحوها، وإدخال السرور عليهم بالذهاب بهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة، أو إلى أحد مصائف هذه البلاد في سياحة بريئة، وفي محافظة على دينهم وأخلاقهم، وصلة لأقاربهم وأرحامهم؛ حتى لا يقعوا فريسة في دهاليز الإنترنت، وشبكات المعلومات، وضحايا في سراديب القنوات والفضائيات، وأرصفة البطالة واللهو والمغريات.......
ومما يسر المسلم أن تشغل الإجازة بالزواجات للشباب والفتيات، وتلك قضية مهمة، لكننا نوصي المسلمين بالتزام منهج الإسلام في ذلك، وعدم الخروج على تعاليمه بالإسراف والبذخ والمغالاة والسهر، والتكاليف الباهظة، والحذر من منكرات الأفراح التي يفعلها بعض ضعيفي الديانة هداهم الله!
ومن المحاور المهمة في هذه القضية: أن يعلم العبد أنه يُراقَبُ من قِبَلِ رَبِّه ومولاه، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، إن الله كان عليكم رقيباً.
ومنها أحبتي في الله: أن شدة الحر في هذه الدنيا يجب أن تذكر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم عياذاً بالله! فهل اعتبرنا وهل تذكرنا -ونحن في هذه الدنيا- هذه النار، فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها؟ فرحماك ربنا رحماك!......
ومنها أحبتي في الله: أن شدة الحر في هذه الدنيا يجب أن تذكر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم عياذاً بالله! فهل اعتبرنا وهل تذكرنا -ونحن في هذه الدنيا- هذه النار، فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها؟ فرحماك ربنا رحماك!......
وأهم هذه المحاور: أن المسلم المرتبط بإسلامه وإيمانه يكون شعوره مع شعور إخوانه المسلمين، يتذكر أحوالهم ومآسيهم؛ لا سيما الذين يعيشون حياة القتل والتشريد والاضطهاد، فهل من الإحساس بشعورهم إهمال قضاياهم؟!
أين الأحاسيس المرهفة، والمشاعر الفياضة؟!
أين الذين يفكرون بأحوال إخوانهم في العقيدة، ويهتمون بمقدسات الأمة وما يمر به المسجد الأقصى المبارك، وما تضج به فلسطين المسلمة؛ حيث شلالات الدم المتدفقة هذه الأيام؟!
وليس ما فعلته وتفعله الصهيونية العالمية واليهودية الدولية بخافٍ على ذوي النخوة والمروءة.
وقل مثل ذلك في الشيشان الصامدة، وكشمير المجاهدة، في الوقت الذي يفكر فيه كثيرون بالتمتع بإجازاتهم في منتجعات ليست للكرام ولا كرامة، فالله المستعان!
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
ظاهرة اجتماعية مؤرقة وكبيرة، وقضية تربوية مهمة وخطيرة؛ هي برسم الخطط والمناهج وإعداد الدراسات والبرامج لتأصيلها والعناية بها حفية وجديرة، تلكم هي ما يحصل في مثل هذه الأيام من كل عام، حينما تشتد حرارة الصيف، ويلقي بسمومه اللافحة على بعض أقطار المعمورة، مما يحمل كثيراً من الناس على الهروب إلى المصائف والمنتزهات، والفرار إلى الشواطئ والمنتجعات، والعزم على السفر والسياحة، وشد الأحزمة للتنقل والرحلات.
يوافق ذلك فرغ من الشواغل، وتمتع بإجازة صيفية يقضيها الأبناء بعد عناء عام دراسي كامل، وحيث قد أعد كثير من الناس برامج لشغل إجازاتهم، وقضاء وقت فراغهم، وكثير منهم قد حزم حقائب السفر أو سافر فعلاً.
يترجم ذلك الكم الهائل المتهافت على مكاتب الحجوزات والمطارات للسفر عبر الأجواء والمحيطات، في مراكب تمخر عباب الجو والبحر والفيافي لشتى القارات، وقد أعد هؤلاء وأولئك أمتعة الترحال إلى هنالك وهناك.
لذا أستوقفكم - لنضع هذا القضية على الميزان الشرعي، ونعرضها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع إلماحة يسيرة إلى واقع بعض الناس فيها، وبيان الآثار السلبية عند غياب الضوابط الشرعية، لهذه القضايا الواقعية، وذلك عن طريق هذه المحاور الموجزة المهمة.......
المحور الأول: مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ فهي سر وجوده، ووسام عزه، وتاج شرفه، وإكسير سعادته، تلكم هي عبوديته لربه عز وجل وتسخيره، كلما أفاء الله عليه بالقيام بها وعدم الغفلة عنها طرفة عين، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].
وإن أمارة المسلم الحق: بقاؤه ثابتاً على مبادئه وفياً لدينه وعقيدته، معتزاً بأصالته وشخصيته، فخوراً بمبادئه وثوابته، لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين تحقيق عبوديته لربه مكان دون آخر، فمحياه كله لله، وأعماله جميعها لمولاه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
فحيثما ما كان وحل، وأينما وجد وارتحل، فإنه يضع العبودية لله شعاره، وطاعته لربه دثاره، هذا هو منهج المسلم الصادق في إسلامه، القوي في إيمانه، الإيجابي في انتمائه.
ومن أسوأ ما أصيبت به الأمة في أعقاب الزمن: انتشار الانتماء السلبي وغلبة الفكر الهامشي الذي طغى على كثير من جوانب الحياة؛ مما أفرز أجيالاً تسيء فهم الإسلام على حقيقته، وتجعل للوثات الفكر المنحرف ومظاهر السلوك المحرم رواجاً في تكوين شخصيتها بانهزامية ظاهرة، وتبعية ممقوتة، وانسياق محموم، ولهث مذموم، خلف سراب موضات التشبه والتقليد، وبهارج العلمنة والتغريب المنتشرة في بعض صفوف المسلمين مع شديد الأسف، حتى ضاعت عندهم الهوية الدينية، وفقدت معالم الشخصية الإسلامية.
مما يتطلب إذكاء روح العزة الإيمانية في نفوس أبناء الأمة المحمدية: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].
المحور الثاني : الوقت: فهو مادة الحياة، والزمن: فهو وعاء العمر، فالواجب استثماره في مرضاة الله، وشغله بطاعته سبحانه؛ فإن الإنسان مسئول عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، كما صح بذلك الخبر عن سيد البشر عليه الصلاة والسلام، خرجه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة رضي الله عنه.
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: السَّنَةُ شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجداد يوم المعاد، فعند الجداد يتبين حلو الثمار من مرها.
ألا فليعلم ذلك من أهدروا أوقاتهم، وبددوا أعمارهم في غير مرضاة مولاهم.......
المحور الثالث: الفراغ: فهو نعمة من نعم الله، يجب شغله بكل وسيلة شرعية؛ وذلك بالقيام بالعبادة بمفهومها الواسع، أو على أقل تقدير بالأمور المباحة شرعاً دون ما هو محرم، ففيما أحل الله غنية عما حرم.
وقد أرشد المولى جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:7-8].
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ } خرجه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
ويقول صلى الله عليه وسلم: {اغتنم خمساً قبل خمس -وذكر منها- وفراغك قبل شغلك } خرجه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وكم كان الفراغ سبباً في الانحراف بكل ضروبه، والفساد بشتى صوره، عند عدم استثماره فهو منّة ونعماء، لكن إذا استغل في معصية الله فهو نقمة وبلاء.......
المحور الرابع: الترفيه البريء والترويح المباح: لا غضاضة على الإنسان فيه؛ بل قد يكون مطلوباً أحياناً لأغراض شرعية، كما في حديث حنظلة : {ولكن ساعةً وساعة }.
يجب أن يكون لك ترفيه وترويح في حدود ما هو مباح شرعاً، فالإسلام لا يحجر على أتباعه أن يروحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم بالوسائل المباحة في ذلك شرعاً.
أما أن يستغل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهز العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والقيم والمثل والمبادئ فلا. وكلا!!
وإن رغمت أنوف من أناس فقل يا رب لا ترغم سواها
المحور الخامس: مع السفر والمسافرين: فالسفر في هذا الدين لا بأس فيه؛ بل قد يكون مطلوباً لمقاصد شرعية، يقول الثعالبي رحمه الله: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، ويدعوه إلى شكر نعمه.
تلك الطبيعة قف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري
فالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثار
وقد قيل:
لا يصلح النفوس إذا كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال
فالماء الدائم يأسن،
والشمس لو بقيت في الأفق واقفة لملها الناس من عجم ومن عرب.
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب
السفر في الإسلام له حدود مرعية، وضوابط شرعية، منها: أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة، وبؤر مشبوهة فلا، ما لم يكن ثمة ضرورة مع القدرة على إظهار شعائر الإٍِسلام، وهل يلقى بالحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية، أخرج الترمذي وأبو داود بسند صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {أنا بريء من رجل يبيت بين ظهراني المشركين } وقد استثنى أهل العلم من ذلك الداعية إلى الله، والمضطر لعلاجٍ أو نحوه.
المحور السابع مع الشباب من الأبناء والبنات.
أهدي الشباب تحية الإكبار هم كنزنا الغالي وسر فخاري
هل كان أصحاب النبي محمد إلا شباباً شامخ الأفكار
الشباب عماد الأمة، وقلوبها النابضة، وشرايينها المتدفقة، وعقولها المتلألئة، هم جيل اليوم، ورجال المستقبل، وبناة الحضارة، وصناع الأمجاد، وثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، فلا بد من تربيتهم تربية صحيحة شاملة، وشغل أوقاتهم بطريقة متوازنة، فهذه الأشهر التي يمرون بها في فراغ من المشاغل الدراسية النظامية لا بد أن يستثمرها أولياء أمورهم في برامج حافلة، تكسبهم المهارات، وتنمي فيهم القدرات، تقوي إيمانهم، وتثقل فكرهم، وتثري ثقافاتهم.
فأين الآباء والمربون عن إعداد البرامج الشرعية المباحة؟! وهي كثيرة بحمد الله، كحفظ كتاب الله عز وجل واستظهار شيء من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتعلم العلم النافع، وكثرة القراءة في كتب أعلام الإسلام قديماً وحديثاً، والاطلاع على السير والتأريخ والآداب ونحوها، وإدخال السرور عليهم بالذهاب بهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة، أو إلى أحد مصائف هذه البلاد في سياحة بريئة، وفي محافظة على دينهم وأخلاقهم، وصلة لأقاربهم وأرحامهم؛ حتى لا يقعوا فريسة في دهاليز الإنترنت، وشبكات المعلومات، وضحايا في سراديب القنوات والفضائيات، وأرصفة البطالة واللهو والمغريات.......
ومما يسر المسلم أن تشغل الإجازة بالزواجات للشباب والفتيات، وتلك قضية مهمة، لكننا نوصي المسلمين بالتزام منهج الإسلام في ذلك، وعدم الخروج على تعاليمه بالإسراف والبذخ والمغالاة والسهر، والتكاليف الباهظة، والحذر من منكرات الأفراح التي يفعلها بعض ضعيفي الديانة هداهم الله!
ومن المحاور المهمة في هذه القضية: أن يعلم العبد أنه يُراقَبُ من قِبَلِ رَبِّه ومولاه، فلا يراه حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، إن الله كان عليكم رقيباً.
ومنها أحبتي في الله: أن شدة الحر في هذه الدنيا يجب أن تذكر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم عياذاً بالله! فهل اعتبرنا وهل تذكرنا -ونحن في هذه الدنيا- هذه النار، فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها؟ فرحماك ربنا رحماك!......
ومنها أحبتي في الله: أن شدة الحر في هذه الدنيا يجب أن تذكر بالآخرة، فشدة الحر من فيح جهنم عياذاً بالله! فهل اعتبرنا وهل تذكرنا -ونحن في هذه الدنيا- هذه النار، فعملنا على الأخذ بأسباب الوقاية منها؟ فرحماك ربنا رحماك!......
وأهم هذه المحاور: أن المسلم المرتبط بإسلامه وإيمانه يكون شعوره مع شعور إخوانه المسلمين، يتذكر أحوالهم ومآسيهم؛ لا سيما الذين يعيشون حياة القتل والتشريد والاضطهاد، فهل من الإحساس بشعورهم إهمال قضاياهم؟!
أين الأحاسيس المرهفة، والمشاعر الفياضة؟!
أين الذين يفكرون بأحوال إخوانهم في العقيدة، ويهتمون بمقدسات الأمة وما يمر به المسجد الأقصى المبارك، وما تضج به فلسطين المسلمة؛ حيث شلالات الدم المتدفقة هذه الأيام؟!
وليس ما فعلته وتفعله الصهيونية العالمية واليهودية الدولية بخافٍ على ذوي النخوة والمروءة.
وقل مثل ذلك في الشيشان الصامدة، وكشمير المجاهدة، في الوقت الذي يفكر فيه كثيرون بالتمتع بإجازاتهم في منتجعات ليست للكرام ولا كرامة، فالله المستعان!
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ