عسيري 220
28th June 2003, 12:37 AM
التطرف أسبابه وعلاجه :
للأستاذ الدكتور / محمد عبد الغفار الشريف
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
2 – تاريخ التطرف :
إن التطرف قديم قدم الخلق ، فأول المتطرفين إبليس – عليه لعنة الله - ، وأول ذنب عصي به الله تعالى هو التطرف . قال تعالى : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ، قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال ، أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين ( ) .
فقد غالى إبليس في الاعتداد بالنفس ؛ مما دفعه إلى الاستكبار على أمر خالقه – عز وجل - ، وغالى – أيضاً – في تقديم القياس على النص .
قال القشيري – رحمه الله - :
ادعى الخيرية ، وكان الواجب عليه – لولا الشقوة – أن يؤثر التذلل على التكبر ، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحق . ثم إنه سلك طريق القياس ، فلا وجه له مع النفس لأنه بحظ ، فلم يزده قياسه إلا في استحقاق نفيه ؛ إذ ادعى الخيرية بجوهره – أي النار - ، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه – سبحانه – وقسمته ( ) .
وكذا بالغ قابيل في المنافسة إلى درجة كبيرة بلغت إلى الحسد ، فقتل أخاه .
قال تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ، إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، قال لأقتلنك ، قال إنما يتقبل الله من المتقين … إلى قوله سبحانه : فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( ) .
قال القشيري – رحمه الله - :
كانت الدنيا بحذافيرها في أيديهما فحسد أحدهما صاحبه ، فلم يصبر حتى أسرع في شيء فيه إتلافه . وحين لم يقبل قربانه اشتد حسده على صاحبه ، ورأى ذلك منه فهدده بالقتل ، فأجابه بنطق التوحيد : إنما يتقبل الله من المتقين ( ) .
وقال – أيضاً - : لا تستولي هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق . فإذا توالت العزائم الرديئة ، واستحكمت القصود الفاسدة من العبر صارت دواعي الحق خفية مغمورة ( ) .
وهذان النموذجان من التطرف يدلان على أن التطرف ليس مقصوراً على التدين ، فالمبالغة – أيضاً – في الحرص على الدنيا والرفعة فيها تطرف يؤدي إلى هلاك الأمم . قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – : " ما ذئبان ضاريان جائعان في غنم افترقت ، أحدهما في أولها والآخر في آخرها ؛ بأسرع فساداً من امريء في دينه يحب شرف الدنيا وما لها " ( ) .
ومثال للتطرف السلطوي فرعون – عليه غضب الله - ، يقول تعالى : ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون . أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ( ) .
وقال تعالى : وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين ، واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ( ) .
ومثال للتطرف الدنيوي قارون ؛ قال – تعالى - إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ، وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض ، إن الله لا يحب المفسدين ( ) .
ومثال للتطرف الحضاري ثمود ؛ قال تعالى : وإلى ثمود أخاهم صالحاً ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم ؛ هذه ناقة الله لكم آية ، فذروها تأكل في أرض الله ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ، واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ، وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً ، وتنحتون الجبال بيوتاً ، فاذكروا آلاء الله ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ( ) .
ومثال للتطرف الاقتصادي أهل مدين ؛ قال تعالى : وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ولا تنقصوا المكيال والميزان ، إني أراكم بخير ، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط . ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ . قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، إنك لأنت الحليم الرشيد ( ) .
قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : كانوا موسرين في نعمة ( ) .
وقال مجاهد – رحمه الله - : كانوا في خصب وسعة ، فحذرهم زوال النعمة ، وغلاء السعر وحصول النقمة إن لم يتوبوا ولم يؤمنوا ( ) .
أما التطرف الديني فقد ظهر بوضوح في النصارى ، قال تعالى : ثم قفينا على آثارهم برسلنا ، وقفينا بعيسى ابن مريم ، وآتيناه الإنجيل ، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها – ما كتبناها عليهم – إلا ابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها ، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ، وكثير منهم فاسقون ( ) .
قال الفخر الرازي – رحمه الله - : والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين ، متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة ، واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء ، والتعبد في الغيران والكهوف ( ) .
للأستاذ الدكتور / محمد عبد الغفار الشريف
عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
2 – تاريخ التطرف :
إن التطرف قديم قدم الخلق ، فأول المتطرفين إبليس – عليه لعنة الله - ، وأول ذنب عصي به الله تعالى هو التطرف . قال تعالى : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ، قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ، قال ، أنا خير منه ، خلقتني من نار وخلقته من طين ( ) .
فقد غالى إبليس في الاعتداد بالنفس ؛ مما دفعه إلى الاستكبار على أمر خالقه – عز وجل - ، وغالى – أيضاً – في تقديم القياس على النص .
قال القشيري – رحمه الله - :
ادعى الخيرية ، وكان الواجب عليه – لولا الشقوة – أن يؤثر التذلل على التكبر ، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحق . ثم إنه سلك طريق القياس ، فلا وجه له مع النفس لأنه بحظ ، فلم يزده قياسه إلا في استحقاق نفيه ؛ إذ ادعى الخيرية بجوهره – أي النار - ، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه – سبحانه – وقسمته ( ) .
وكذا بالغ قابيل في المنافسة إلى درجة كبيرة بلغت إلى الحسد ، فقتل أخاه .
قال تعالى : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق ، إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، قال لأقتلنك ، قال إنما يتقبل الله من المتقين … إلى قوله سبحانه : فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ( ) .
قال القشيري – رحمه الله - :
كانت الدنيا بحذافيرها في أيديهما فحسد أحدهما صاحبه ، فلم يصبر حتى أسرع في شيء فيه إتلافه . وحين لم يقبل قربانه اشتد حسده على صاحبه ، ورأى ذلك منه فهدده بالقتل ، فأجابه بنطق التوحيد : إنما يتقبل الله من المتقين ( ) .
وقال – أيضاً - : لا تستولي هواجس النفوس على صاحبها إلا بعد استتار مواعظ الحق . فإذا توالت العزائم الرديئة ، واستحكمت القصود الفاسدة من العبر صارت دواعي الحق خفية مغمورة ( ) .
وهذان النموذجان من التطرف يدلان على أن التطرف ليس مقصوراً على التدين ، فالمبالغة – أيضاً – في الحرص على الدنيا والرفعة فيها تطرف يؤدي إلى هلاك الأمم . قال رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – : " ما ذئبان ضاريان جائعان في غنم افترقت ، أحدهما في أولها والآخر في آخرها ؛ بأسرع فساداً من امريء في دينه يحب شرف الدنيا وما لها " ( ) .
ومثال للتطرف السلطوي فرعون – عليه غضب الله - ، يقول تعالى : ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون . أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ( ) .
وقال تعالى : وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين ، واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ( ) .
ومثال للتطرف الدنيوي قارون ؛ قال – تعالى - إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين . وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ، وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض ، إن الله لا يحب المفسدين ( ) .
ومثال للتطرف الحضاري ثمود ؛ قال تعالى : وإلى ثمود أخاهم صالحاً ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، قد جاءتكم بينة من ربكم ؛ هذه ناقة الله لكم آية ، فذروها تأكل في أرض الله ، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ، واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ، وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً ، وتنحتون الجبال بيوتاً ، فاذكروا آلاء الله ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ( ) .
ومثال للتطرف الاقتصادي أهل مدين ؛ قال تعالى : وإلى مدين أخاهم شعيباً ، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ولا تنقصوا المكيال والميزان ، إني أراكم بخير ، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط . ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ . قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ، إنك لأنت الحليم الرشيد ( ) .
قال ابن عباس – رضي الله عنهما - : كانوا موسرين في نعمة ( ) .
وقال مجاهد – رحمه الله - : كانوا في خصب وسعة ، فحذرهم زوال النعمة ، وغلاء السعر وحصول النقمة إن لم يتوبوا ولم يؤمنوا ( ) .
أما التطرف الديني فقد ظهر بوضوح في النصارى ، قال تعالى : ثم قفينا على آثارهم برسلنا ، وقفينا بعيسى ابن مريم ، وآتيناه الإنجيل ، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها – ما كتبناها عليهم – إلا ابتغاء رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها ، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ، وكثير منهم فاسقون ( ) .
قال الفخر الرازي – رحمه الله - : والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين ، متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة ، واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء ، والتعبد في الغيران والكهوف ( ) .